ابو القاسم عبد الكريم القشيري
81
الرسالة القشيرية
فأخذه الأسر « 1 » من ساعته . فكان يدور على المكاتب ، ويقول : ادعوا لعمكم الكذاب . وقيل : إنه أنشد هذه الأبيات ، فقال بعض أصحابه لبعض : سمعت البارحة ، وكنت في الرستاق صوت أستاذنا « سمنون » يدعو اللّه ، ويتضرع إليه ، ويسأله الشفاء . فقال آخر : وأنا أيضا ، كنت سمعت هذا البارحة ، وكنت بالموضع الفلاني . فقال ثالث ، ورابع ، مثل هذا ، فأخبر سمنون ، وكان قد امتحن بعلة الأسر ، وكان يصبر ولا يجزع ، فلما سمعهم يقولون هذا ؛ ولم يكن هو دعا ؛ ولا نطق بشئ من ذلك ، علم أن المقصود منه إظهار الجزع تأدبا بالعبودية ، وسترا لحاله ، فأخذ يطوف على المكاتب ويقول : ادعوا لعمكم الكذاب . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت أبا العباس محمد بن الحسن البغدادي يقول : سمعت جعفرا الخلدى يقول : قال لي أبو أحمد المغازلي : كان ببغداد رجل فرق على الفقراء أربعين ألف درهم ، فقال لي سمنون : يا أبا أحمد ، ألا ترى ما قد أنفق هذا ، وما قد عمله ؟ ونحن ما نجد شيئا . . فامض بنا إلى موضع نصلى فيه بكل درهم أنفقه ركعة . فمضينا إلى المدائن ، فصلينا أربعين ألف صلاة . وكان سمنون ظريف الخلق ، أكثر كلامه في المحبة « 2 » . وكان كبير الشأن . مات قبل الجنيد ، كما قيل .
--> ( 1 ) الأسر : احتباس البول ، ويروى ابن عربى سبب ذلك فيقول : « لما أساء سمنون الأدب مع اللّه وأراد أن يقاوم القدرة الإلهية لما وجد في نفسه من حكم الرضا والصبر ، ابتلى بالأسر الذي هو احتباس البول فكان يتلوى منه كالحية على الرمل ؛ إذ مقاومة القهر الإلهي سوء أدب . ولما تاب اللّه عليه ؛ وشفاه ، أنشد : أنا راض بطول صدك عنى * ليس إلا لأن ذاك هواكا فامتحن بالجفا ضميري على * الود ودعني معلقا برجاكا ( 2 ) ومن كلامه في ذلك : أول وصل العبد هجرانه لنفسه ، وأول هجران العبد الحق مواصلته لنفسه . وسئل عن المحبة فقال : صفاء الود مع دوام الذكر ، وعن التصوف ، فقال : أن لا تملك شيئا ولا يملكك شئ . . وقيل له : إذا نذكر اللّه ولا نحد في قلوبنا حلاوة . فقال : « احمدوا اللّه على أن زين جارحة من جوارحكم بذكره » .